محمد هادي معرفة
147
التمهيد في علوم القرآن
الآيات دون غيرها ، وهل هذا منكم إلّا إيهام لأهل الجهل أنّ من القرآن معجزا وغير معجز ؟ قال : ثم نقول لهم : قول اللّه تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً « 1 » أمعجز هو على شروطكم في كونه في أعلى درج البلاغة أم ليس معجزا ؟ فإن قالوا : ليس معجزا ، كفروا . وإن قالوا : إنّه معجز صدقوا ، وسئلوا : هل على شروطكم في أعلى درج البلاغة ؟ فإن قالوا : نعم ، كابروا ، وكفوا مئونتهم ، لأنّها أسماء رجال فقط ليس على شروطهم في البلاغة . وأيضا فلو كان إعجاز القرآن لأنّه في أعلى درج البلاغة لكان بمنزلة كلام الحسن وسهل بن هارون والجاحظ وشعر امرئ القيس ، ومعاذ اللّه من هذا ، لأنّ كلّ ما يسبق في طبقته لم يؤمن أن يأتي من يماثله ضرورة . وأخيرا قال : فلا بدّ لهم من هذه الخطة ، أو من المصير إلى قولنا : إنّ اللّه تعالى منع من معارضته فقط - إلى أن يقول - فصحّ أنّه ليس من نوع بلاغة الناس أصلا ، وأنّ اللّه تعالى منع الخلق من مثله ، وكساه الإعجاز ، وسلبه جميع كلام الخلق . . . قال : وأيضا فإنّ في القرآن كثيرا من حكاية أقوال الآخرين « 2 » . فكان هذا كلّه إذ قاله غير اللّه عزّ وجل غير معجز بلا خلاف ، لكن لمّا قاله اللّه تعالى وجعله كلاما له أصاره معجزا ومنع من مماثلته . قال : وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى غيره ، والحمد للّه « 3 » . وقال - أيضا - : إنّ كلّ كلمة قائمة المعنى يعلم إذا تليت أنّها من القرآن ، فإنّها معجزة لا يقدر أحد على المجيء بمثلها أبدا ، لأنّ اللّه تعالى حال بين الناس
--> ( 1 ) النساء : 163 . ( 2 ) كقوله تعالى : فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ المدثّر : 24 - 25 . وقوله : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً - إلى آخر الآيات - الإسراء : 90 . ( 3 ) الفصل في الملل والنحل : ج 3 ص 17 - 19 .